يحسبه الظمئان ماء

عند قراءة التعليقات التي ترد على بعض مقالات الكتاب في الصحف اليومية والتي تناقش موضوع أو مشكلة معينة لا بد أن تجد عدد لا بأس به من التعليقات التي تلوم الكاتب على تناوله لهذاsticky-note.jpg الموضوع أو ذاك بحجة: ” وهل هذه هي أكبر مشكلة نعاني منها؟” أو ” وهل هذا هو جل اهتمامنا الآن؟” و “لم لم تناقش الموضوع الفلاني… ” والذي في رأي المعلق أنه الأهم والأجدر بالتناول على صفحات الصحيفة من الموضوع الذي تناوله الكاتب. في أي حوار أو نقاش سواء على الانترنت أو في الواقع تجد نفس النوعية من المداخلات من نوعية: نحن الآن بحاجة لتناول مواضيع أهم من هذا الذي تتحدث عنه بغض النظر عن أي موضوع كنت تتحدث.

 

الأخ العزيز أبو جوري تحدث في تدوينته الأخيرة فن اختراع القضايا عن تشعب مشاكلنا في السعودية واقترح بأنه يجب علينا كمجتمع سعودي أن “نتعامل مع الواقع بصورة عملية أكثر من خلال تحديد الأولويات و منهج العمل على مواجهة هذه الأولويات” وأضاف “من أجل فاعلية حقيقة لمواجهة القضايا الوطنية نحتاج إلى عمل متكامل بين الحكومة و المواطنين السعوديين لتحديد الأولويات و الحلول بدل أن نغوص في بحر لا ينتهي من المشاكل، لأن ذلك لا يفيد إلا قله ترى في إستمرار الوضع الحالي فائدة لها”.

مشكلتنا كمجتمع سعودي لا تكمن في كثرة مشاكلنا و اختلافنا على أيها له الأولوية، فكما قلت سابقا المجتمع ليس فردا عليه أن يحدد أولوياته في التعامل مع القضايا المختلفة و ليس شركة تجارية لها أهداف محصورة تحاول وضع أجندة لأولوياتها بل بالعكس أن ينظر مجتمع ما لقضايا أعضاؤه بهذه الطريقة لن يؤدي إلا إلى فشل في حلها جميعا!

من وجهة نظري المتواضعة أرى أن مشكلتنا الأساسية أننا مثل الProcesses التي تتنافس على جزء من وقت المعالج المركزي أو ال CPU في جهاز الحاسب، فكما قال الأخ أبو جوري ليس لأعضاء المجتمع لدينا أي دور فاعل في وضع السياسات فما نحن إلا منفذين لها ففي النهاية نحن لا نعيش في مجتمع مدني يعترف بأن المواطن هو المحور الذي تدور حوله بقية أجهزة الدولة وإنما العكس هو الصحيح. لكن حتى وإن كان الحال كذلك فإننا لازلنا نرى رغبة كبيرة بل إصرار من بعض الناس على تهميش القضايا التي لا تمسهم أوتتعارض مع معتقداتهم أو توجهاتهم بحجة أن هذه ليست هي مشكلتنا الكبرى. وهذه في الحقيقة أكبر مشكلة تواجهنا الآن، فلا يمكن لأي مجتمع يعمل بهذه الطريقة أن ينجح في معالجة قضاياه، المجتمعات وخاصة في دولة واسعة كالسعودية ليست عائلة صغيرة يمكن جدولة أعمالها لأنه وبكل ببساطة كل شخص يعاني من مشكلة أو موضوع ما تكون هذه المشكلة في نظره هي الأولى بالحل و الأجدر بأن تكون على قمة جدول الأعمال!! هل يمكن للمجتمع مثلا أن يركز على مشكلة البطالة حتى ينتهي منها نهائيا و من ثم ينتقل لمشكلة التعليم مثلا؟ أم هل يركز المجتمع على مشاكل النظام القضائي حتى ينتهي منها تماما و حينها يكون نظام الخدمات الصحية قد انهار تماما؟ أم هل نتجاهل مشاكل المرأة من أبسطها و حتى أكثرها تعقيدا حتى عندما نتفرغ لها تكون قد ولّدت ما لا يحصى من المشاكل المتشابكة و المترتبة عليها؟؟ هل فعلا نحتاج لاستبيانات ووسائل لقياس رغبات المجتمع الحقيقة و من ثم نتفرغ لجدولتها؟؟ لا يمكن أن يحصل هذا على ارض الواقع وإن حصل فالفشل سيكون هو النتيجة الوحيدة. ما يهمني من مشاكل قد لا يهم غيري و ما يهم غير قد لا يهمني حتى و إن انتهيت من حل جميع مشاكلي.

المجتمع معادلة رياضية أو نظام بيولوجي معقد لا تستطيع أن تجزءه إلى أجزاء تركز على بعضها وتترك الآخر لوقت لاحق… المجتمع خلية حية كل جزء منها لا بد أن يكون له دور معين، ينفذه بالتزامن مع بقية الاجزاء. في المجتمعات التي أفلتت من آفة الحكم المركزي و أصبح للمواطن صوت و دور في صناعة القرار الذي تتوزع مسؤولياته على أكثر من مسؤول، تجد الكل يعمل في حيّزه In Parallelيؤثر و يتأثر ببقية الأعضاء و تحل المشاكل بالتدريج، أما في المجتمعات التي يتنافس أبناؤها على فسحة من انتباه الصانع الأوحد للقرار، فالمشاكل تتراكم والحلول تصبح كالسراب يحسبه الظمآن ماء حى إذا جاءه لم يجده شيئا …لكن على الرغم من ذلك لا ينسى هذا الظمآن أن يعرقل أخيه الظمآن حتى لا ينافسه على هذا السراب!!

هذا المنشور نشر في opinion. حفظ الرابط الثابت.

10 ردود على يحسبه الظمئان ماء

  1. يقول devotion:

    اهلا اختي انتروبي..

    كلامك صحيح..100%
    فنجد دائما في المجتمع صغير او كبير دولة او جامعة..
    لو كان المشكلة أو القانون لا يمسها فلا تعارض ع وجودة..
    وهي تعود ع مصالح..كل فرد 🙂

    تحياتي

    ديفوشن…

  2. يقول هديل:

    كما قلت أنتروبي، مشكلتنا في غياب المؤسسات المدنية التي تتبنى مشاكل كل مجموعة، وتقوم بالمطالبة بها، والملاحقة من أجلها..
    نحن لسنا سوى أفراد متناثرين، مهما جمعت بين عدد منا اهتمامات او قواسم مشتركة، لكننا في الأخير أصوات خافتة ومتقطعة لأن لا مؤسسة تتبنى قضايانا، وتوضح للآخرين أن قضيتنا أو مشكلتنا مهمة كما أهمية قضايا ومشاكل جهات أخرى!

  3. يقول Entropy:

    مرحبا دفوشن

    نفسي نفسي … أنا أولا و من بعدي الطوفان
    نعم للأسف

    شكرا على المرور 🙂

  4. يقول Entropy:

    هــديل

    مرحبا عزيزتي، صحيح غياب مؤسسات المجتمع المدني أحد أسباب المشكلة لكن المشكلة الأكبر أيضا هي الاستبداد الذي نمارسه على بعضنا البعض…..لا أحد يعترف بحق الآخرين ولا بحريتهم. اللذين نبحت أصواتهم و هم يدعون المطالبة بالحرية هم انفسهم لو حصلوا عليها سيمارسون جميع أنواع الاستبداد على شريحة أخرى ممن يخالفوهم ….
    ربما كان هذا أحد أسباب فشل الديمقراطية في معظم البلاد العربية … بل قولي جميعها!

    شكرا لمرورك

  5. يقول Yasser:

    سبب آخر ربما يجعل البعض يمعن في نقد ال Process أو في أوليتها ، هو أهدافهم الشخصية.

    لأنه عندما تكون هناك أهداف أو أجندة معينة تضر الانسان نفسه ولكنه يجعلها هدفه ورسالته الشخصية بسبب توازن ولاء معين أو عبودية مستفحلة تنتج حشرات تجني رزقها على دماء افراد عائلتها وتتغذى على نفسها لتنتحر وعقلها غائب أو مغيب عمداً.

  6. يقول سديــــــــــم:

    اعتقد بأن الدبلجة العربية التي تمارس على المجتمع اصبحت شيء معتاد ! فالحل الوحيد هو التدريب على” الديموقراطية الشخصية او الفردية” والتي تنطلق من الفرد الى المجتمع حتى لا تكون هناك سلطوية فكرية على الجميع
    واعتقد بان القضايا ليست أولويات بقدر ماهي تعبير عن نقص تعبيري يفتقده المجتمع وهو بالنهاية حس تنفيسي على الجميع ولكن السؤال ماهي القضايا التي تتربع في المقدمة ! من هنا نقول أن الديموقراطية افردية هي التي تحدد أوأولويات المجتمع من خلال نظرة المجتمع الواسعه وليست نظرته الضيقة !

  7. يقول Entropy:

    ياســـــــــــــر

    صحيح الولاء في ثقافتنا يسبق التفكير و الفردية الفكرية.

    ســــديم

    “الديمقراطية المدبلجة” فتحتي علي أبواب و أبواب بهذا التعريف….يستحق أن يكون في تدوينة منفصلة بذاتها 🙂

  8. يقول Reem:

    الله يفتح عليك مثل مافتحت علي وأكثر ..
    صحيح لا يجب أن يكون على المجتمع أيا مما ماقلت ..
    ومع كل ماقلتيه ..
    لا أرفع العتب عن (وعاة) المجتمع ..
    وهم المسؤولون الأولون لتبني مؤسسات وإنشاءها .. وتحديد أولوياتها وأهدافها ..
    لسبب بسيط .. هو (وعيهم) بالمشكلة ! .

    تحيتي لمدونتك .

  9. يقول lllillili:

    فعلا المجتمع نجد تنوع في اتجاهاته .. لن نستطيع حصرها جميعا .. وتوجيهها نحو اتجاه واحد .. لكن نستطيع حصر قوة لا بأس بها تقود الاكثرية بالاتجاه الذي نراه اكثر واقعية وصحة من غيرة .. ولن نستطيع أن نمحيها كافة ..

    كلام سليم .. شكرا لك

  10. اطلعت على مدونك العامره و احببت ان ابلغك بأني اسست مدونه جديده تعنى بالشأن السياسي العربي تحت إسم ( حديث العرب) و أحببت أن اقدم نفسي و مدونتي لعلها تتشرف بزيارتكم و زيارة زوار مدونتكم، أتشرف بدعوتكم متمنيا ان تلبو الدعوه.
    تحياتي
    http://arabstalk.wordpress.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s