مستقبل التدوين السعودي

هذه التدوينة تندرج تحت موضوع “كلنا فؤاد” بمناسبة مرور شهرين على اعتقال المدون السعودي فؤاد الفرحان

ksa.jpg

freefouad-1.jpg

حق الفرد في التعبير عن رأيه”، هو حق إنساني يتمتع به بلايين البشر في عالم اليوم بنسب متفاوتة في درجات شفافية التطبيق. تطبيق هذا الحق على أرض الواقع ساهم في إثراء الحياة المدنية للعديد من الدول والمجتمعات. كما نتج عنه بعض السلبيات والشواذ التي لا يبرر بروزها سعي البعض لإلغاء أو تهميش هذا الحق الإنساني المهم. لن يكون محور كلامي هنا السعي لتأصيل هذا الحق الإنساني أو إبراز إيجابياته وذلك لعمق وطول هذا الموضوع الذي قتل بحثاً من قبل في الآف الكتب والدراسات والأبحاث العربية والعالمية. بالنسبة لي، فقد حسمت هذه القضية عندي. فقد تمحورت قراءاتي خلال الستة الشهور الماضية حول هذا الموضوع، وحول ما إذا كانت “الديموقراطية” متوافقة مع الإسلام أم لا؟، وحول مفاهيم “حقوق الإنسان” وتوافقها مع الشريعة. كلامي هنا ليس موجه لمن لا زال لديه إشكال عميق تجاه هذه المسائل. هذا الإشكال الذي هو نتيجة توهم وجود تعارض بين “حرية التعبير” كما نسعى إليها والشريعة الإسلامية. كلامي هنا موجه لمن حسم أمره تجاه هذه القضية، وأصبح يؤمن بحق الفرد في التعبير عن رأيه بدون خوف وإرهاب، وموجه كذلك لمن لازال منفتحاً على الحوار والنقاش البناء الذي نسعى إليه لنستطيع الخروج جميعاً بحلول جذرية تساهم في إصلاح المجتمع السعودي، وتساهم في نموه بشكل سليم ومنطقي.

إقتناعاً منهم بقدسية “حرية التعبير”، لم تتوانى الأمم والشعوب والجماعات والأفراد عن ابتكار وتطوير الأدوات المناسبة، والتي تسمح لهم من خلالها بالتعبير عن آرائهم بحرية. هذه الأدوات تجعل من الأفراد في وقت قياسي قوة ضغط فعالة ومؤثرة. لا تعتبر هذه الأدوات حكراً على شعب دون آخر، أو أمة دون أخرى، ولكن هي ملك لكل الشعوب لأنها نتيجة نضال المقهورين عبر العصور ضد قوى الظلم والطغيان. ولذلك يحق لكل فرد/جماعة/شعب الإختيار من بين هذه الأدوات ما يعتقد أنها مناسبة له ولمن يشاركه النضال في سبيل التعبير عن آرائهم. أرى بأن التدوين هو أحد أهم وأقوى هذه الوسائل التي يمكن أن نستفيد منها كمجتمع سعودي للتعبير عن آرائنا الفردية.

في السعودية، ليس هناك أي شيء يشير إلى أن حق “التعبير عن الرأي” هو حق مكفول للمواطن للأسف الشديد. ذلك لسبب واضح وهو أننا الدولة الوحيدة التي يمكن أن أتذكرها لا تملك دستور مكتوب. الحكومة تقول لنا بأن دستورنا هو الكتاب والسنة”. ولكن في عصر مثل عصرنا هذا لا يمكننا العيش والنمو كمجتمع بدون دستور مكتوب يوضح مسؤولية كل من الفرد، ،مؤسسات المجتمع، والحكومة. لأنه بدون دستور مكتوب، يصبح المرجع في تفسير الكتاب والسنة هي الحكومة والعلماء الرسميين فقط. وفي هذا مفارقة صارخة مع أصل الإسلام الذي أتى ليحرر البشرية من الطبقيات والمرجعيات واحتكار تفسير الدين وتطبيقه. لو بحثنا في السنة مثلاً عن الموقف من نقد عمل الحكومة لوجدنا ألف رأي ورأي. مثلاً هناك رأي فقهي معتبر يحث على ذلك، وهناك رأي فقهي معتبر آخر يحرم ذلك. ما لذي علينا كمواطنين أن نلتزم به؟ لا يوجد لدينا دستور مكتوب نعود إليه لنتخذ الموقف المناسب تجاه “حق التعبير عن الرأي”. ولذلك فإن بقاء المجتمع السعودي بدون دستور مكتوب ليس في مصلحة أحد، إلا تيار معين في الحكومة وجزء معين من التيار الإسلامي للأسف الشديد.
ولذلك، نجد أن أول خطوة في سبيل الإصلاح نتمنى من الحكومة اتخاذها هي السعي لتوثيق دستور سعودي متكامل يساهم في وضعه المواطنين ويحق لهم التصويت عليه. هذا الدستور الذي يوضح بشكل جلي العلاقة بين المواطن والحكومة ويفصل في أمرها. دستور يحمي الوطن والمواطن، ويوفر دعامة قوية للنمو والتطور، ويجيب على أسئلتنا المقلقة كمواطنين حول مستقبل وطننا.
ولكن، متى يحصل هذا؟ متى تقدم الحكومة السعودية على هذه الخطوة؟ كل الدلائل تشير إلى أن ذلك لن يحصل في القريب العاجل. فاعتقال الإصلاحيين العشرة في جدة وقبلهم العديد من المواطنين المطالبين بالدستور، يشير بشكل واضح أن أجنحة معينة في الحكومة تسعى لإفشال الخطوات الإصلاحية التي نشعر كمواطنين أن الملك عبد الله بن عبد العزيز ربما يرغب في تطبيقها. ليس هناك ما يشير في الأفق إلى حالة انفراج سياسي قريبة في السعودية. بل إن الأمور تزيد سوءاً يوماً بعد يوم للأسف.

كمواطنين سعوديين، لدينا خياران:
الخيار الأول أن نبقى صامتين، ونتجاهل الوضع، ونواصل مشاهدة وطننا يتدهور يوماً بعد يوم متجهاً بشكل متسارع نحو المستقبل المخيف. البطالة متزايدة، الجرائم تتعاظم، الفقر يزيد، سوق الأسهم، المشاكل العائلية، سرقات المساهمات، السجن التعسفي، إرهاب وتفجيرات
الخيار الثاني أن نسعى وبشكل سلمي إلى التعبير عن آرائنا. نحن مواطنين وهذه بلدنا، ولنا الحق في رفع صوتنا، خاصةً وأننا نرى مستقبلنا كمجتمع يتجه نحو الهاوية.

وضع التدوين السعودي

التدوين هو أداة حديثه وفعاله من أدوات التعبير عن الرأي. وهو أحد إكتشافات الإنترنت المؤثرة. برز التدوين كأداة قوية وفعالة للتعبير عن الرأي للأفراد والمجموعات بشكل قوي في الدول الديموقراطية. وكان ذلك بسبب وجود العوامل المساعدة لتسريع تفعيل أثر التدوين. وأقصد بالعوامل هنا أمور مثل: ثقافة الشعوب، الديموقراطية، وجود الدساتير، حقوق الإنسان، خطوط الإتصال، وغيرها من العوامل. أما في الدول الغير ديموقراطية، فإن التدوين لازال يحاول جاهداً وبشكل مثير للإعجاب، أن يحقق ما حققه التدوين في الغرب من أثر إيجابي على الحياة اليومية للمواطنين. في مصر، هناك محاولات تستحق المساندة. وهناك كذلك تضحيات تثير الإعجاب. وفي إيران هناك مليون مدونة كما قال لي أحد الصحفيين. ويكفي أن نعرف أن للرئيس الإيراني مدونة شخصية لنعرف أن التدوين أصبح شيء واقع ومحرك أساسي في الحياة اليومية الإيرانية.

أما في السعودية، فرغماً أن هناك محاولات فردية مشكورة من قبل بعض المدونين. إلا أنه لا زال دون التأثير المأمول. فالأغلبية الساحقة من المدونات السعودية لازالت تتراوح بين التدوين الترفيهي والتدوين الإجتماعي الأليف. ليس للتدوين السعودي حتى اليوم أثر في الحياة اليومية للمجتمع السعودي. لو قسنا أثر موقع انترنت واحد مثل موقع الساحات لوجدنا أثره في الحياة اليومية السعودية يفوق بمراحل كل ما يطرح في جميع المدونات السعودية. هذه حقيقة مؤلمة ولابد من طرحها بشفافية. لسنا هنا ضد التدوين الشخصي. بل إننا نشجع عليه وبكل قوة. ولكن هذا ليس بمبرر لعدم قيام المدونين والمدونات السعوديين بالكتابة الجادة في الشؤون السياسية والإجتماعية. أصبح للإنترنت تأثير واضح في حياتنا كسعوديين، والتدوين يجب أن يكون كذلك.

أسباب ضعف التدوين الإجتماعي والسياسي السعودي :
على الرغم من وجود بعض المدونات السعودية المهتمة بالشأن السعودي العام، إلا أن عددها قليل جداً مقارنة مع عدد المدونات السعودية المتواجدة على شبكة الإنترنت. هذه المدونات تشكل الإستثناء حالياً، ورغماً عن كل شيء فإنهم يشكرون بشدة على جهودهم. لو حاولت حصر أسباب الضعف الحالية فإنني أجدها ربما لا تخرج عن العوامل التالية:

1- الخوف من الحكومة :
المدونين والمدونات السعوديين هم مواطنين في الأساس. ويجري عليهم ما يجري على المواطنين. وعلاقة المواطن بحكومته قائمة في جانب كبير على الخوف ووجوب الطاعة العمياء “لولي الأمر”. خوف المواطن من التعبير العلني عن رأيه يرجع لأن الحكومة السعودية تعتقل مواطنيها بناءً على آرائهم. وإن لم تعتقلهم، فإنها تقوم بالتضييق عليهم بعدة طرق منها فصلهم من وظائفهم أو حرمانهم من التقدم في مناصبهم الوظيفية بعد إستجوابهم وفتح سجلات خاصة بهم لمتابعتهم. والأمثلة هنا أكثر من أن تذكر. إن إعتقال الحكومة للإصلاحيين السعوديين ومحاكمة بعضهم وزج الآخرين في السجون لشهور طويلة بدون توجيه أي تهم أو محاكمات لهم هو أمر واقع رأيناه وعشناه ونعيشه كمواطنين سعوديين. هذه الأمثلة الثابتة، تشكل أكبر هاجس خوف لدى المدونين السعوديين لأنها تجعل المدون يسأل نفسه “إذا كان من هم أشهر مني وأعلم مني قد زج بهم في السجون وتعرضوا للظلم الفاضح ولم يجدوا من يدافع عنهم، فماهو مصيري إذاً؟ خاصةً وأنه لا أحد يعرفني وما سأكتب لن يغير شيئاً من الواقع؟ لماذا ألقي بنفسي للتهلكة والسجن وأغامر؟

2- الخوف من نقد المجتمع :
كسعوديين نعرف أننا لا نجيد كثيراً ثقافة الحوار. ولذلك لأول مرة في تاريخنا يقام سلسلة مؤتمرات بإسم “مؤتمر الحوار الوطني”. وهناك عدة أسباب لضعف ثقافة الحوار في المجتمع السعودي، من بينها:
عمق الهوة بين الأجيال: هناك تفاوت كبير في أعمار أفراد المجتمع. ويكفينا أن نعرف بأن نصف الشعب 50% هم أقل من خمسة عشر عاماً.
تداخل الدين مع العادات: لفترة طويلة لم يكن يستطع الكثير تمييز الخط الفاصل بين العادات والدين. فقد أدخلت كثير من العادات في الدين ومزجت حتى أصبح من الصعوبة إنتقادها وذلك لأن إنتقادها يوحي بأن الشخص ينتقد ذات الدين.
العنصرية الداخلية: رغماً أن القبلية والمناطقية ليست مضادة للدين والوطن بل يجب أن تكون داعمة له، إلا أنها في كثير من الأحيان تلعب دوراً سلبي في عملية النقد الذاتي. فعندما ينتقد فرداً ما ظواهر أو عادات معينة في المجتمع، يبادر الكثير بالنظر لأصل وفصل الناقد وخلفيته العائلية. وكثيراً ما تستخدم هذه النقطة كوسيلة لتهميش طرح الناقد وتضعيفها لأنه من أصل أو منطقة دون مستوى أصل ومنطقة الناقد. للأسف، نعم هناك عنصرية داخلية وإن كنا لا نسميها كذلك إلا أن ذلك إسمها. وهذه العنصرية تنطلق من الجميع إلى الجميع. فالجميع ليس بريء هنا إلا من رحم الله.

3- الخوف من العائلة:
العائلة كانت و لازالت أساس بنيان المجتمع السعودي. والمواطن السعودي غالباً ما يكون متأثراً ومحكوماً بشكل كبير بآراء وتوجيهات العائلة (القبيلة، الوالدين، الإخوة الكبار). قليلة هي العوائل التي تدرب أبناءها وبناتها على إستقلالية الرأي وتتيح لهم التعبير عن آرائهم بحرية وبشكل علني وتدعمهم بغض النظر عن مدى موافقتهم على هذا الطرح. بل أنها غالباً ما تلعب دور “المثبط” الداخلي والقامع لأفرادها وذلك بطيب نيه، وسعياً لسلامة ذلك الفرد لأنه “لا يعرف مصلحته بعد” و “متهور” و غيرها من الأسباب الواهية. الأغلبية الساحقة من شباب المجتمع لازال يكترث كثيراً لتأثير نشر آرائه على عائلته. وذلك ينعكس أيضاً على عالم التدوين. وخاصةً بالنسبة للمدونين الذين يعلنون عن أسماءهم بشكل علني. فهؤلاء في موقع أصعب من المدونين المجهولين.

4- الخوف من بيئة العمل:
حتى الآن لم أرى مدونة لمدرس ينتقد فيها بشكل جدي بيئة التدريس ويكشف خبايا ما نجهله في هذا المجال المهم من حياتنا اليومية كمواطنين. ولم أرى موظف في شركة الإتصالات السعودية يدون حقائق حول هذه الشركة والتي اشتهرت بالنصب على المواطنين. أما أن أرى مدونة لموظف من أرامكوا يخبرنا ما يحصل خلف تلك الجدران المنيعة للشركة المسؤولة عن بيع نفطنا فهذا حلم لازلنا ننتظر حصوله. سبب غياب هذه المدونات من وجهة نظري هي ثقافة الإستبداد الراسخة في جهات الأعمال. حيث أن جرأة موظف لأن يدون عن حقائق بيئة عمله ستكلفه غالياً. فربما يخسر وظيفته أو ينسى فرصة ترقيته. وغالباً سيجد أن أصدقاء عمله يتحاشون الكلام معه وسيصح وحيداً لا يدعى لتجمعاتهم ولقاءاتهم. في هذه الحالة أرى بأن عدم ذكر المدون لإسمه مبرر مقبول نوعاً ما
.

هذا المنشور نشر في Free Fouad, injustice, Saudi Arabia, Saudia, حرية. حفظ الرابط الثابت.

6 ردود على مستقبل التدوين السعودي

  1. يقول بندر:

    كانت من أجمل التدوينات ..

  2. يقول Exganza:

    الله يرجعك بالسلامه يافؤاد …
    تدويناته رائعة .. : )

  3. تنبيه: أسبوع لفؤاد: مستقبل التدوين السعودي (1) : : مدونة عصام الزامل

  4. لا أعلم ربما علينا ان نقول: (الله يرحمك يا فؤاد)

    انا لله وانا إليه رجعون

    الشيخة خلود سلفية تائبة او مسلمة متعلمنة

  5. يقول free rocket:

    اصدرت السعودية قانون لتجريم الاعمال الالكترونية المنشورة على الويب
    مبروك … منتهى الشجاعة
    1- أعتقل المدون
    2- اجلد الضحية
    3- أصدر القانون

    منتهى العدالة

    خلوا فؤاد يروح لأهلة
    كفاية استعباد

  6. يقول free.rocket:

    السعودية اصدرت قانون لتجريم الاعمال الالكترونية المنشورة على الويب

    منتهى الشجاعة …
    1- أعتقل المدون
    2- أجلد الضحية
    3- أصدر القانون لتبرير (1) – (2)

    عدالة فائقة …

    خلوا فؤاد يروح بيتة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s